 وأخيرا رضخت الأسطورة والقوة التي لا تقهر لمنطق
النفس الطويل والعمل المخلص والثبات على المبدأ لثلة مؤمنة وطنت نفسها لإحدى
الأمرين إما الشهادة بكرامة وإما العيش بعزة, هذا ما تبين جليا للعالم الذي كان
يرصد سيرة وأداء المقاومة في جنوب لبنان والتي ما انكفأت تعمل على انتزاع حقها
واسترداد ما سلب منها.
فرضوخ الدولة الصهيونية لشروط المقاومة في عملية تبادل الأسري لهو دليل على
انكسارها واعترافها رغم مرارة ذلك على نفسها بالغلبة لحزب الله, فهي رضخت مرة أخرى
لشروط المقاومة بعد أن اضطرت إلى سحب فلول قواتها تحت ظلمة الليل والهروب في عام
2006م تاركة معدات وأدوات شاهدة على مر التاريخ على مدى ضعف هذه الأسطورة التي
خلقتها أمريكا وحلفائها وزرعتها في قلب الأمة الإسلامية والعربية.
كما أن مصداقية السيد حسن نصر الله في أقواله ووعوده باتت لا يمكن التشكيك بها, فهو
بنظرته الثاقبة وحنكته ومعرفته بمواطن ضعف العدو الصهيوني ،كان على يقين بأن سياسة
فرض الشروط والإصرار عليها وعدم التنازل متوائمة مع استخدام القوة متى ما لزمت هي
اللغة التي يفهمها هذا الكيان اللقيط الهش والوسيلة الأنجع للتعامل معه . فإسرائيل
اعتمدت إستراتيجية فرض القوة ومنطق الغلبة والإملاءات وعدم التنازل في أي مسار
للتسوية مع العرب وقد استطاعت أن تكسب مغانم بفضل هذه السياسة مع بعض القيادات التي
تنازلت وتهاونت عن الكثير من الحقوق بذريعة التسوية والتفاوض وحل الأزمة.
فلا حقوق ردت للشعب الفلسطيني ولا مبعدين رجعوا إلى الوطن ولا التزام بوقف بناء
المستوطنات في قطاع غزة احترم . فالراصد لمسار الحوارات والمؤتمرات الفلسطينية مع
العدو الصهيوني يرى بوضوح مدى تعنت إسرائيل وعدم تنازلها عن شروطها وفي المقابل ضعف
وهوان المفاوض الفلسطيني الذي يقبل ويتنازل فهو يدخل المفوضات دون إستراتيجية
واضحة، والمحصلة هو ضياع الأرض وهدر حقوق الشعب الفلسطيني والذي بات يواجه العدو
وحيدا, متكئا على المقاومة الشعبية الصامدة المتمثلة في حماس.
إن تجربة حزب الله ومناورته مع العدو الصهيوني لهي تجربة جديرة بأن تعمم ويؤخذ بها,
فهي أثبتت أن الإصرار وعدم التنازل والمقاومة الباسلة تؤتي أكلها في النهاية، فها
هو العدو يرضخ لشروط المقاومة في تبادل الأسري اللبنانيين والفلسطينيين ورفات
الشهداء. فكيف استطاعت هذه المقاومة أن تنتزع هذه الحقوق قهرا وبعزة وكرامة؟ أليس
جديرا بالأمة العربية بما تمتلكه من بعد جغرافي وديمغرافي أن تتحالف في مواجهة هذا
العدو؟ قد يرى البعض صعوبة هذا الأمر ولكن جوهر المسألة هو أن ما ينقص الأمة
العربية والإسلامية هو الإرادة وليس عوامل القوة والقدرة البشرية والمالية، فحجم
موازنات الدفاع وشراء الأسلحة والعتاد الحربية كفيلة بأن تزود هذه الأمم بقدرات
عسكرية متطورة وفائقة, فالجميع شهد كيف أن المقاومة الشعبية في لبنان بموارد محدودة
استطاعت أن تناور وتناكف وتذل هذا العدو بل وتتغلب عليه.
فلنتخيل ما بإمكان الجيوش العربية أن تفعله إذا كانت هناك إرادة لمواجهة إسرائيل,
لله درك يا حزب الله فإنك تلقيننا الدروس الواحدة تلو الأخرى في الصمود والعزة
والكرامة وتسطرين أروع الملاحم في ذاكرة التاريخ .
|