 برزت في الآونة الأخيرة جدلية التعداد السكاني ومعدل
النمو السكاني في المملكة بناء على التضارب بين الأرقام المعلنة بحسب الإحصاءات
المعمول بها وبين ما كشف عنه مؤخرا وزير شئون مجلس الوزراء الشيخ أحمد بن عطية
الله.
ولعل الاستجواب الموجه للوزير عطية الله لهو خير دليل على جدلية قائمة تحتاج إلى
وقفة شجاعة والإفصاح عن الأمور بشفافية وأمانة، ومن منطلق الحفاظ على مصلحة الوطن
والمواطن, فلا ينفع أن ندفن رؤوسنا في الرمال كالنعامة ظنا منا أن الآخرين لن
يروننا، فالكشف عن الأرقام الصحيحة تعني التزاما وكشفا شفافا لمواطن الخلل والقوة
في نفس الوقت.
‘ن جدلية التعداد السكاني للمملكة والطفرة المدهشة في معدل التعداد السكاني في خلال
سنة بنحو 300,000 نسمة أثارت دهشة المراقبين المحليين والخارجيين. وفي هذا الصدد
يمكننا الإشارة إلى مقال د. علي خليفة الكواري بعنوان" الخلل السكاني اعتداء على
حقوق المواطن" الذي يلقي الضوء على ظاهرة خطيرة أخذت تكتسح بعض دول الخليج ومن
بينها مملكة البحرين، وهي ظاهرة الطفرات غير المبررة علميا ونظريا في النمو
السكاني. وهو بذلك أطلق ناقوس الخطر ويجب أن نستمع إليه ونتوقف عنده لنعيد حساباتنا
وإحصائياتنا، فلا نمر عليها مرور الكرام ولا نحاول أن نبررها بوجود مراكز متعددة
لحساب التعداد السكاني مثل الجهاز المركزي للإحصاء والسجل السكاني وغيرها.
نعلم بأن هناك خصومة مزمنة وعدم وفاق بين الأجهزة الرسمية والأرقام في دولنا
النامية أو دول العالم الثالث, ولكن بعيدا عن هذه الخصومة كونها تعرى الأنظمة من
وسائل دفاعها وتظهر للشعوب حقيقة ما يجري من قبلها في الكواليس, فإنه لابد من أن
يقبل الجميع بأنه في ظل غياب الشفافية في التعامل مع الأرقام والإحصائيات فإن
مصداقية الأجهزة الحكومية أصبحت على المحك وأضحت محل شك وريبة، كما أن الإعلان عن
الإحصائيات الحقيقية دون اللجوء إلى تزيفيها ومن ثم محاولة تزييف الرأي العام حولها
هي القاعدة لانطلاق الخطط التنموية في جميع القطاعات، وعند الركون إلى إحصائيات
خاطئة فإن خططنا وبرامجنا المستقبلية تكون في واد والواقع العملي في واد آخر.
وعليه يحق لنا أن نتساءل عن جدوى خطط توضع في غياب إحصائيات حقيقية دقيقة، وقدرتها
على أن تلبي الطموحات والاحتياجات، ويصبح مشروعا أن ندعو أصحاب السعادة الوزراء بأن
يشمروا عن سواعدهم لتعديل خطط وزاراتهم بحسب الحقائق والأرقام الحقيقية لتجنب
تسونامي فشل خططهم.
والحقيقة التي تكشف عنها الأرقام الأخيرة هي أن المملكة مقبلة على انفجار سكاني
خلال العقد القادم, فلا يخفي على أحد أن هناك عملية تجنيس سياسي قائمة على قدم
وساق, وبالفعل فقد بدأت تباشيرها في الظهور، فأزمة الإسكان والبطالة والفقر والصحة
والاختناقات المرورية ما هي إلا نذر يسير مما نحن بصدد مواجهته في مملكة أصبح
المواطن فيه أقليه ومن الدرجة الثانية ينافسه في الخدمات وفرص العمل الأجنبي الذي
يفوق أحيانا المواطن في الامتيازات والإمكانات.
إن الجهات المسئولة عن الإحصاء والمعلومات هي مسئولة عن الجدل الدائر في الساحة،
ومن حق المواطنين كشف أسبار خزائن الأرقام بحثا عن الحقائق, فإن قبلت الأطراف
المسئولة بحقيقة إخفائها الإحصائيات الحقيقية فذلك إقرار منهم بارتكاب جريمة بحق
الوطن والمواطنين واستخفافا بعقولهم و هضما لحقوقهم المشروعة في أطار المواطنة، ومن
جهة أخرى فإنها إذا ما لجأت إلى المراوغة والتذرع بأعذار كوجود أجهزة متعددة قد
تصدر إحصائيات متباينة فإنها طامة كبرى أخرى, لأنها بذلك تكشف عن عدم كفاءتها
وقدرتها على إدارة مصالح الوطن والمواطنين، وعلى الصعيدين فإنها بذلك مسؤولة
مسئولية خطيرة وتتحمل وزر ما أخلت به من واجب أنيطت بها وإخلالا بالأمانة التي
أودعت بيدها.
|