 قبل المدعي العام في المحكمة الدستورية في تركيا
الدعوى التي رفعت ضد حزب العدالة والتنمية لأجل الحظر على نشاطها وتقييد عناصرها
وتجميد مناصبهم السياسية في الحكومة بذريعة أنهم يتبنون مواقف ومبادئ تناهض المبادئ
والقيم العلمانية للدولة كما نص عليه الدستور التركي, وقد أثار ذلك دهشة واستغراب
المراقبين المحليين والدوليين ، فمبدأ قبول الدعوى المرفوعة بحد ذاته دلالة على عدم
استقلالية القضاء التركي ومؤشر على أنه توجد هناك محاولة لفرض التسييس المفتوح على
السلطات المختلفة والأنشطة المتباينة والمتبناة من قبل مؤسسات المجتمع المدني,
والأحزاب.
فما أثار رفع الدعوى وحمية الداعمين لها, هو أن البرلمان التركي وافق على قانون
يسمح بارتداء الحجاب لمن يريد في الجامعات التركية, ومن ثم تم رفع القانون ليتم
تصديقه من قبل الرئيس عبدالله أغول،ورغم أن القانون لا يكون ساريا إلا بعد تصديق
الرئيس فإن أعداء الديمقراطية, وتحت ذريعة الذود عن المبادئ العلمانية للدولة
وحمايتها بادروا برفع الدعوى تحسبا من التصديق على القانون وسريانه ، وهو ما يخالف
جوهر وروح الديمقراطية والتي من صلبها أن المجلس المنتخب من قبل الشعب انتخابا حرا
ونزيها وفعالا قد خول بالنيابة عن الشعب لأخذ القرارات وإصدار التشريعات, حسب مبدأ
غلبة رأي الأغلبية واعتماد آلية التصويت في أخذ القرارات.
ولنا وقفة هنا لنسأل أليس من حق نواب الشعب الذين وصلوا إلى مواقع صنع القرار أن
يتخذوا القرارات دونما ضغوط من جهات ومؤسسات خارجية؟ وهل حزب انتخب بالأغلبية ووصل
بإرادة شعبية عليه أن يكون خاضعا و تابعا لقوى من خارج المجلس التشريعي، بدل الركون
والاحتكام إلى القوانين واللوائح الداخلية التي تنظم عمله.
والجدير بالذكر أن حزب العدالة والتنمية لا يقدم نفسه كحزب إسلامي متطرف أو طائفي،
بل على العكس أثبت قولا وفعلا أنه حزب وطني يعمل لصالح الوطن من خلال برامجه ونهجه
،واستطاع أن يثبت مصداقية ويستقطب أعداد كبيرة من العلمانيين إلى صفوفه بل وتعدى
ذلك إلى تبنيه المبادئ العلمانية للدولة.
كما أن التساؤل المشروع الثاني هو ما يخص بمبدأ استقلالية القضاء وحياديته ،فمجرد
قبول المدى العام للدعوى بحد ذاته خروج على مبدأ الاستقلالية وتكريس لمبدأ تبعية
القضاء، وتباعا تقويض لأركان الديمقراطية ومسيرتها.
إن مبادئ الديمقراطية الليبرالية الغربية المعتمدة في تركيا، وفلسفتها العلمانية
أساسها تقديس الحريات الشخصية وعدم تقيدها وإطلاق العنان لها، فهذه المبادئ من جانب
تركز على احترام اختيارات الشخص في أموره الشخصية كعلاقاته, وكيفية ممارسته لها
وإباحة العلاقات بين الشواذ واللواط والعلاقات خارج إطار الزواج, مما يشير الدهشة
بأن تدخل كل هذه الممارسات تحت بند الحريات الشخصية المشروعة ووجوب احترامها ، ومن
جانب آخر فأن مجرد قبول قانون يمنح للمرأة التركية حرية وحق اختيار الحجاب ، يثير
اللغط وحمية حماة العلمانية بدعوى أن ذلك يدخل في إطار معاداة المبادئ العلمانية.
فهناك تناقض وازدواجية في تناول المفاهيم والقيم والمبادئ، فما يحاول القلة في
تركيا تجاهله هو أن هذا الشعب, تتجذر لديه القيم والأخلاقيات الإسلامية حتى النخاع
, ولا يمكن استئصال هذه القيم وإحلالها قسرا وعنوة بقيم مستوردة لا تلقى القبول في
المجتمع التركي.
كما أن قبول المحكمة الدستورية النظر في الدعوى نذير بعدم استقلالية القضاء الذي إن
صلح صلح المجتمع، فالدعوى المرفوعة ضد حزب العدالة والرفاه ظاهرها حماية المبادئ
العلمانية وباطنها محاولة تقليم أظافر الحزب والحظر عليه بهدف اقصاءة عن الحياة
السياسية والمشاركة السياسية ، بطريقة شرعية وقانونية .
|