 سلوك الفرد ما هو إلاّ انعكاس لعقيدته التي تصوغ
تفكيره، فإذا أصيبت العقيدة بالانحراف، انحرف فكره ومن ثم فسد السلوك
والأخلاق.ويتدرج الإنسان في الفساد والانحطاط كلما ضعف الإيمان بالله واليوم الآخر
حتى يصل إلى مستوى شخصية الكافر، وهي شخصية تتناقض مواقفها وأخلاقها وسلوكها مع
معاني الرحمة الإنسانية، وتقترب تلك المواقف أكثر نحو قيم الحيوان في غلبة النزعة
العدوانية والانسياق وراء الشهوات البهيمية.
وفي الحرب الثقافية التي تشنها الآن القوى الاستكبارية، فان الهدف الأساس هو
التأثير على تفكير الإنسان الشرقي المسلم، بحرف المعطيات والآثار التي تتركها
عقيدته على تفكيره ومن ثم سلوكه ومواقفه في الحياة تجاه مختلف القضايا على مختلف
الأصعدة.فمثلا عندما يُشكك في قدرة الإسلام على إيجاد نظام اجتماعي متكامل يأخذ
بالمجتمع نحو معارج الرقي والسعادة، فذلك يعني الحكم على الإسلام بالنقص ووجوب عزله
عن الحياة، ومحاصرته في المساجد. وحتى المساجد يستوجب فرض قيود على دورها ووظائفها
حتى ينسجم ذلك كله مع الفكر الجديد، وذلك بتقييد تدخل المسجد في الشأن العام في
مختلف جوانبه السياسية والاجتماعية والاقتصادية.وفي فترة الاستعمار، حين عجزت حملات
التبشير عن إقناع الأفراد المسلمين بتغيير عقيدتهم، اكتفى المبشرون وأذيال
الاستعمار لتشويه العقيدة الإسلامية في عقول الأفراد المسلمين سواء بتلفيق التهم
للإسلام كدعاوى عجزه عن مواكبة متطلبات العصر أو تشويه صورة الرسول (ص).
في الحالة السابقة، وجدنا أن التأثير على قيم الفرد وسلوكه ومواقفه في الحياة تبدأ
من الداخل من حيث فساد الفكر، فينعكس هذا الفكر سلوكا ومواقف من قبل الفرد.ولكن
يمكن عكس المعادلة تماما.أي أن يبدأ التغيير من الخارج كمقدمة وتمهيد لإضعاف
العقيدة وذلك بواسطة إسثتارة الشهوات البهيمية لدى الأفراد.إذ أن انسياق الفرد وراء
نزواته، خاصة حين تتوفر الأجواء الملائمة من جنس رخيص ومخدرات وكل أنواع
العبث..وعندما ينغمس الفرد في هذا السلوك البهيمي والقيم الدونية، ينتج عن ذلك
تراجعا وضعفا في إيمانه بالله.بالتالي يسهل مستقبلا إفساد عقيدته وفكره.وهذا ما
قاموا به في الأندلس كما يقول الجاسوس الإنجليزي في الشرق (مستر همفر)، حيث يقول –
مضمونا- سنغريهم بالخمر والنساء كما فعلنا في اسبانيا.
والقرآن الكريم يشير إلى وجود علاقة بين إتباع الشهوات البهيمية والسلوك المنحرف
عموما وبين فساد العقيدة بتكذيب آيات الله جل وعلا، كقوله تعالى: (ثُمَّ كَانَ
عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ
وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون)(الروم/ 10).كذلك فان السلوك والخلق المنحرف يوّلد
النفاق كما في قوله تعالى ( فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا
الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون) وربما نتيجة فساد في أخلاق الفرد وسلوكه في
الأيام العادية، يخذله الله في الأوقات الصعبة كما في قوله تعالى (إن الذين تولوا
منكم يوم التقيا الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا..).
إننا في حاجة ماسة للتأمل في وضعنا الأخلاقي والتفكير بجدّ في الوقوف بحزم وقوة
أمام مدّ الإفساد الذي يلقى تشجيعا من بعض الجهات الرسمية وذلك قبل أن يتحول إلى
طوفان يصعب وقفه.
|